عصام طنطاوي --إنه لا يقترح موضوعا بل يبحث عن الموضوع

المقاله تحت باب  نقد
في 
16/06/2009 06:00 AM
GMT



 عصام طنطاوي, من مواليد القدس ,1954 عمل رساما في المناهج المدرسية بوزارة التربية والتعليم الأردنية بين العامين 1974-,1976 ومديراً فنيا في شركتي تهامة ثم البيان بين العامين 1976- ,1984 ثم مديراً لمؤسسة الهدف للتصميم بين العامين 1985- ,2001 وهو الآن متفرغ للرسم والفن في مرسمه الخاص الواقع في جبل اللويبدة, كما أن له بعض الكتابات الساخرة في الصحف الأردنية عن الفن والحياة.

تميزت أعمال طنطاوي بأحجامها الكبيرة, وأدائها المتميز على صعيد البناء واللون والتقانة, إذ أن عصام يمتلك خبرات واسعة في التصوير الزيتي والفوتوغرافي, إضافة إلى التجريب المستمر والبحث الدائم, في اللغة البصرية كموضوع قائم بذاته من جهة, واللغة الروحية التي يتأمل بها ذاته من جهة أخرى, والنتيجة لوحات متمردة مغرقة في حداثتها, وملغزة برموزها وأحابيلها, مجربا كل طقوس اللون ومواسمه, من الأصفر والأزرق والأحمر, وكافة أطياف هذه الألوان, محاولا اكتشاف عصارة روحه وخبرته في مغامرة الاكتشاف, بعدما ضاق ذرعا من حالات الوثوقية والثبات,

تتكون اللوحة من مساحات وفضاءات متداخلة ومشغولة باحتراف ومشحونة بالرموز التي تشي بحضور إنساني ملغز وضاج بعلاقة موحية بين الإنسان ومحيطه (فالإنسان في أعماله حاضر وغائب في آن, وحركة التقطيع والتركيب في اللوحة تملي حضوراً متوارياً له: حضور في أنسنة المكان وتعيناته, حين تستحيل النافذة إلى عين, والبيت إلى رأس, وتستحيل تشكيلات الجبال والتلال إلى هيئة جسد يشير إلى المكان ويحيط بحركة المشهد توزيعاً وانتظاما على السطح التصويري).

إن هذا الحضور والغياب بين الإنسان والمكان يضيف للعمل الفني إحالات من طبيعة العلاقة بين البشر والحجر كما يؤنسن الشيء ويشيء الأنسان في تبادل الأدوار بين الضد وضده سعيا في وحدة الوجود حيث تتضافر الرموز وتتقاطع في مضامينها القريبة والبعيدة مشكلة نسقا وبنية جديدة أساسها التركيب والتقطيع من وحدات اللوحة الفسيفسائية(وحين يغيب الإنسان عن مشهدية اللوحة يأخذ المكان مهمة الكشف عن رعشة حضوره وترسباته في جدران البيت وونس النافذة والتواء الشارع وفي كل تعيّن يشير إلى كثافة الإنسان وسيولته في اختراق المكان).

إنه لا يقترح موضوعا بل يبحث عن الموضوع الذي لم يكتشفه بعد, ليس عن جهل وإنما هو تجوال وسياحة, مسنودة بالخبرة وعين بصرية, مفتوحة على اكتشاف الجديد والمتميز, وهو بذلك سيكون حليف المغامرة والصدفة, والاندماج في التجربة البصرية التي لا تعترف بمنجزها, ولا تود الاعتراف بها, بقدر ما تناله من رضا داخلي عن المنجز, وهي في كل لحظة هاربة تعاود الثورة على نفسها, إنها قلق الإبداع الذي يستمر في الهروب إلى أمام, هذا الهروب المقنع الذي لا يخطب ود أحد, وإنما يريد الانسجام داخل نظام اللوحة نفسها, ويتكرر هذا الطواف المحموم من عمل فني إلى آخر, عبر تداع حر لا يحكمه فكر مسبق, ولا يريد الوصول إلى قناعة بعينها يقول طنطاوي: (أنا أحب التداعي الحر, أن القي بنفسي في اللوحة وأصير منها وفيها جزءاً تائها مسحورا.. أحياناً تقودني اللوحة وتذهب بي إلى حيث لا أتوقع حريتي فوضاي , قد أبتهج بالنتيجة وقد أدمرها وأترك الأسلوب لشيوخ الطريقة, ولكن المتتبع المتعمق لأعمالي يستطيع بقليل من التأمل أن يعرف أنها لي وأنني منها, لا أستطيع أن أمنع عقلي من البحث ويدي من العبث أيضاً في مناطق جديدة مثيرة للدهشة وربما الصدمة البصرية).

ولكن الناظم الأساسي لشرعيته هو براءة الفن, المستمدة من جماليات اللوحة, ومن استعمال الرمز والتعبير عن أفق مفتوح على كافة الاحتمالات, أو هو(تجاذب وتنافر في مشهد واحد على سطح تصويري مفتوح, حيث لا بداية ولا نهاية له مع صداقة الحجر الممتدة والمفتوحة بدورها على الجمع بين تناقضات الواقع والمتخيل, منها تتغذى ألقاً وفجيعةً.. وعليها تؤسس معنى وجودها وحضورها)و, هو حضور بالرمز والإشارة محمل بالدلالات التي تفضي ولا تفضي لمعنى محدد وإنما هي تعبير عن انزياح لا مرجعية له في التحميل والتأويل.

تجربة عصام نوع من الطواف الذي لا يقنع بمدرسة معينة ولا يلتزم في أسلوب خاص عبر نقلات مفاجئة من معرض إلى آخر فقد بدا سرياليا ثم تعبيريا فتجريديا لكن كل هذه التوصيفات في مراحله المختلفة لا تفي بغرض حشره ضمنها ولو مرحليا, ففي كل مرحلة نجد لديه إرهاصات مرحلة قادمة (كما تتعدد إنشغالاته بين الظاهراتية والدلالية من خلال التجارب السابقة التي تناولت في عناوينها قضايا إنسانية ووجودية, مثل الحرب والمطر والمكان).

إن أعمال عصام الأخيرة ترتبط بالمكان من خلال هيام روحي, هندس البيوت والأطلال والمعالم عبر ذاكرة مشحونة بالضوء والظلال تسندها خبرة بصرية وبصيرة صقلتها المرئيات, فأعاد صياغتها عبرالأثر الذي يتركه المكان في الوجدان ضمن إعادة صياغته, فالعمل لديه (اشارات تحمل دلالة تنطلق من جماليات التشكيل المقترح وذاتيته, وتكون قابلة لتفسير رموزها وعلاماتها بالضوء والخط والفراغ والظل كعناصر اساسية للعمل الفني, ومميزة له, ليكون النص بهذا الشكل بديلاً للقراءة اللغوية وفق اقتراحات تتصل بأبجدية الضوء اللون للمكان انطلاقاً من خبرة الكائن (الفنان) الذي يضفي على اللون أو الشكل أو الخط بعداً سيكولوجياً أو معرفياً).

عصام في معرضه هذا يقدم أعمالا تجريدية, وإن شئت فسمها تجريد تعبيري, وربما تلحظ فيها شيئا من هندسة أو تكعيبية, فهو لا يريد اتباع مدرسة فنية, ولا يقترح منهجا أو طريقة يحشر فيها لوحته, وديدنه الأساس حريته كمبدع, ولكن روحه ظلت مسيطرة في وهجها الذي انعكس على كل لوحة, فلوحته عصامية ولا تشبه أي آخر في أدائها أو سمتها.

ربما نجد شيئا هنا من العلامات أو الأثر, لكننا أمام عمل ضاج بالبوح, ومشوب بغنائية مجردة, وموسيقى شذية, اعتمدت على بناء وتكوين نادر, ولون مدروس, وتداع حر, انتج هذه المساحات المتضافرة, والثنائيات الضدية, التي تتفاعل منتجة خطابا حداثيا منسوجا بمكر واحتراف, يصل بالمشاهد إلى سؤال الفن الملتبس المخاتل. ما هو الفن? ومن هو الفنان?وعصام ربما يكون جوابا مواربا على ذلك أيضا.